أخبار وطنية المنصف بن مراد يكتب، حزب النداء «بكّوش» و«أطرش»
منذ أكثر من سنة وأنا أكرّر انّ حزب نداء تونس فقد ثقة عدد هام من ناخبيه بسبب عدم التمسّك والوفاء بعهوده، اضافة الى تخلّي الباجي قايد السبسي عن أغلب ما وعد به خلال حملته الانتخابيّة الرئاسية.. وقد أثار موقفي الوطني هذا والنّابع من غيرتي على تونس غضب القصر حتى أنّهم (شأنهم شأن النظام السابق) لم يستدعوا «أخبار الجمهورية» الى بعض المواكب أو الحوارات وهذا في حقيقة الأمر مفخرة لصحفيي جريدتنا الذين اكتسبوا مصداقيّة فائقة في حين لاحظنا باستغراب تخلّي مستشهر كبير عن نشر اعلاناته على أعمدتنا ربّما تحت ضغوطات سياسيّة، وفي ذلك يلتقي مع مستشهرين آخرين في العهد السّابق.. ولكن صامدون ولن نغيّر مواقفنا مهما كانت الاغراءات أو الضغوطات المباشرة وغير المباشرة..
انّ حزب نداء تونس أصبح «بكوش» و«أطرش» لأسباب عديدة أولها التشجيع غير المباشر لرئيس الجمهورية لابنه المدلل حافظ قايد السبسي الذي له «شرعية أبوية» سمحت له بالاستحواذ على الحزب وكأنّه «إرث».. صحيح انّ حافظ لا يشبه بعض أبناء رؤساء العرب الذين عاثوا في الأرض فسادا ونهبوا وسرقوا وقتلوا واغتصبوا، لكن الباجي بموقفه «المحايد» يدعم الأخطاء الفادحة التي يرتكبها ابنه الجاهل سياسيا، والتي أدت الى انقسام حزب نداء تونس وإضعافه..
صحيح انّ حافظ ـ كما يصفه شفيق جراية ـ «طيّب القلب» وقد وقع تضليله عندما أوهمه البعض انّ أمامه «مستقبلا وطنيا» اي انه بإمكانه ان يصبح يوما رئيسا للجمهورية وذلك إذا دعمته أيضا حركة النهضة وهي أكبر مستفيد من إضعاف نداء تونس.. في حقيقة الأمر انّ «حافظ» مغرور وقد تلاعبت به حركة النهضة ومن يمثلها داخل حزب النداء كما شاءت وفي هذا السياق نتساءل: من هندس وبكلّ براءة للقاء الذي جمع بين الرئيس التركي أوردوغان وحافظ قايد السبسي وما هي فحوى هذا اللقاء؟ كما نتساءل: من ضغط على بعض المسؤولين من النداء (لن أقول القياديين لأنّ هذه الكلمة تثير الغرور) حتى يصبحوا يتحدّثون عن المرحوم عبد العزيز الثعالبي ويقدّمونه كبديل ايديولوجي لبورقيبة الذي رفض الاسلام السياسي؟ ثمّ من ساند هذا التيار على جميع المستويات وضخ أموالا طائلة «لاقناع» سياسيين واعلاميين بالدّفاع عن تقارب بين النداء والنهضة لا انطلاقا من رؤية اقتصادية وثقافية واجتماعيّة وحضارية وإنّما انطلاقا من مصالح بعض المسؤولين في نداء تونس الذين يطمحون للبقاء في السلطة حتى بعد الانتخابات التشريعيّة المقبلة، ولا يرفضون الهدايا وإن كانت من رجال أعمال ينعمون بخيرات ليبية، قطرية أو تركية.. أو تونسيّة...
وقد امتدّ نفوذ هذه الجماعات الفاعلة والمتعارضة مع مصالح الشعب التونسي الى سياستنا الخارجيّة إزاء ليبيا فأصبحت الرئاسة والديبلوماسية تساندان الأطراف الليبيّة الدّاعمة للارهاب وترفضان حكومة حفتر التي تحارب الارهابيين وداعش وذلك بتعلة رفض «التدخّل الأجنبي» و«عدم اقصاء أيّ طرف» علما انّه من مصلحة تونس اضعاف شقّ المتطرّفين والارهابيين الذين يحكمون قبضتهم على حدودنا مع ليبيا.. انّ السياسة الخارجية لتونس أضحت تخضع ـ عامة ـ لمصلحة حزب ومصالح الغرب، لا لمصلحة الدولة!
لنعد الى المكانة السياسية التي يتمتّع بها نجل رئيس الجمهورية، فهل يعقل ان يعين وزراء وكتاب دولة وولاة ومعتمدين ورؤساء مديرين عامّين وسفراء، وبلادنا تعجّ بالكفاءات الذين لا ولاء لهم لأيّ حزب؟ فبماذا يمكن تفسير نفوذ حافظ سوى انّه يستعمل والده رئيس الجمهورية كأصل تجاري، علما انّ هذا الأخير ما انفكّ يؤكّد أنه على المسافة نفسها من كل أطراف نداء تونس وأمّا في الواقع فانّه يساند ابنه وإن ارتكب أخطاء سياسيّة فادحة... وممّا لا يرقى اليه أيّ شكّ، هو انّ نفوذ حافظ سينقرض تماما عندما يغادر رئيس الجمهورية منصبه، ونحن تتمنّى لسي الباجي طول العمر وموفور الصحة.. بالمناسبة، لو كان حزب النداء بهذه التركيبة التي لا كفاءة لها، ما كان له ليحصل على النتائج التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية والرئاسيّة السابقة، وأغلب المحلّلين يتوقّعون تراجعه ـ ولو نسبيا ـ في الاستحقاقات الانتخابيّة المقبلة.
اليوم وبعد انضمام 40 شخصا لحزب النداء، وأغلبهم بلا شعبية ولا حنكة سياسيّة، وهدف بعضهم منصب على رأس وزارة، يمكن القول انّ هذا الحزب صار أخرس وأصمّ على الصّعيد السياسي والاقتصادي والثّقافي والاجتماعي ولا علاقة له بمصالح تونس وذلك بعد ان فقد «صورته» وبات دون هوية ولا مصداقيّة ولا مرجعية ولا مستقبل، علما انّ المستفيد الوحيد من انهيار النداء هو حزب النهضة الذي يقوده بدهاء راشد الغنوشي.. فمتى ستتألّف جبهة ديمقراطية وطنية ذات توجّهات اجتماعيّة حتى يثق الشعب ـ من جديد ـ بالطبقة السياسيّة وتخرج تونس من غرفة الانعاش أو عنق الزجاجة؟